ربما امكن القول ان اول شىء من مقدرات الإنسان يمكن نقله الى العقل الألكتروني - وكما يتبادر الى الذهن النظر ودرك ماهية المنظورات وفهم طبيعتها.
ان التقنيات الحديثة، قد وصلت اليوم الى مرحلة، تتمكن فيها من رؤية وتسجيل ما يمكن ان تراه العين البشرية، وربما بشكل دقيق في بعض الأحيان وتفاصيل ادق.
على ان تفوق العين البشرية على العقل الألكتروني تتأنى في مقدرة دماغ الإنسان اكثر على تحليل المرئيات وتشخيص خصائصها بدقة.
والعقل الألكتروني ومن اجل فهم العناصر الموجودة في صورة ما، يحتاج الى استخدام تقنيات معقدة خاصة بتكوين الصور وبعض الحسابات المتعلقة بهذا الأمر

.
وكيف ما كان فإن الرؤية الحاسوبية تكون قائمة على اساس برنامج او برامج يزود بها العقل الألكتروني سلفاً، ومع ذلك، قد نلاحظ في بعض الأحيان افتقاد الدقة في الرؤية الآلية.
وفي الحقيقة ، فإن حسابات العقل الألكتروني تأتي على اساس بعض المكونات في الصورة المرئية، مثل الشكل واللون، هذا بالأضافة الى عناصر اخرى تدخل في تكوين الصورة. علماً ان ادنى تغيير في بنية هذه المكونات، من المحتمل ان يؤدي الى اعلام نتائج خاطئة من قبل العقل الألكتروني.
على ان هناك من يمكن ان يقول، التغييرات هي الأخرى بالأمكان وضعها في البرنامج الآلي، وبالتالي يكون في مستطاع العقل الألكتروني تحسسها او استشعارها، لكن لابد ان نقول هنا ان مثل هذا الأمر في التنظير ممكن وغير ممكن من الناحية العملية.
وتعالوا لنلاحظ هذا المثال. الذي يثبت لنا ان ما يقدر عليه العقل البشري، قد لا يقدر عليه العقل الألكتروني، فليس بالضرورة كل ما يحسبه الإنسان يحسبه الحاسوب.
نعم في امكان الفنان بالأستفادة من بعض المواد وتركيب بعض الألوان، اعداد فواكه صناعية يمكن استخدامها في الديكورات. من ينظر الى هذه الفواكة الأصطناعية يعجب لجمالها ودقة عمل الفنان الذي ابدعها.
لكن بغض النظر عن استشمام هذه الفاكهة او لمسها، فأن في مستطاع الإنسان ان يدرك وهو ينظر اليها ، انها مصنعة وغير طبيعية.
وفي المقابل لو تم تغذية حاسوب الكتروني ببرنامج للتعرف على الفواكة، فأن هذا البرنامج لا يتمكن تمييز الفاكهة الأصطناعية عن الفاكهة الطبيعية.
وبخصوص هذا المثال، فأن مقدرة العقل البشري تصل اوجها، عندما يتمكن الإنسان، من التعرف على الفاكهة المتعفنة، او تلك التي تغير شكلها بعد ان ذبلت وجفت، بمجرد النظرة الأولى اليها واذا كان هذا فيما يتعلق بتمايز النظر الإنساني عن النظر الألكتروني، فأين يكون موقع الأصغاء وتشخيص الصوت ما بين الإنسان والآلة؟
لقد تطورت في الوقت تقنية الأستماع الى الأصوات وتشخيصها، تطوراً كبيراً، حتى ان التكنولوجيا المعقدة في تحليل ماهية الأصوات جعلت العقول الألكترونية، تقترب كثيراً من المقدرة على الأستماع.
ان الكثير من الأمور الأمنية، والتعرف على الهوية حالياً يتم بواسطة عقول الكترونية تقوم بتشخيص الصوت المسموع وبالتالي مقارنته بالنموذج الأولي له.
وبهذا الخصوص لابد من الأهتمام بشيئين هما اولاً: الصوت ولحن المتكلم.
والثاني: الكلمات التي ينطق بها.
على انه لابد من القول هنا ان الأسهل للعقل الألكتروني تشخيص الصوت ولحن المتكلم مقارنة مع الأمر الثاني.
العقل الألكتروني، ومن خلال قيامه بعملية تحليل الصوت يتمكن من فرز صوت المتكلم المذكر عن المتكلم المؤنث.
وفي المرحلة الثانية، وبواسطة تحليل الموجات الصوتية، يكون في مستطاع الحاسوب التمييز بين الأصوات المسموعة من اشخاص مختلفين.
ان الصعوبة تمكن في تحديد الكلمات التي يطلقها لسان المتكلم. لكن هذه الصعوبة لم تجعل الأمر محالاً بل ممكناً وفي الوقت الحاضر، صممت برامج آلية تتمكن وبجودة عالية، من تحويل اصوات الأشخاص وفي اللغات المختلفة، الى متون مكتوبة. او نصوص مدونة.
ومن الطبيعي ان يخطأ الحاسوب في بعض الحالات، مثلاَ عندما يكون الكلام بلهجة خاصة او عندما لا يخرج المتكلم، الكلمة صحيحة من فمه كما ان الخطأ، قد يكون من الحاسوب الآلي ذاته حينما يكون اشكال في البرنامج المدخر فيه.
الإنسان نفسه قد يتلفظ كلمات بشكل خاطئ او لا يشخص الكلمات الصحيحة. بيد انه في غالب الأحيان يقوم الذهن بتصحيح الأخطاء.
هذا وتمكن الباحثون، حديثاً من ابتكار برنامج آلي، يمّكن من خلال كاميرا خاصة، من قراءة الكلام بعدة لغات، بواسطة حركات الشفاه وبالأمكان رفع مستوى الدقة هنا من دمج هذه التقنية الحديثة، مع تقنية تشخيص الكلام.
ومن بعد ذلك يأتي الكلام هنا حول حاستي الشم والذوق.
ولابد ان نقول هنا ان تشخيص الطعم والرائحة عند الإنسان لم يتطور بالشكل الذي تطورت فيه سائر الحواس.
ولعل هذا الأمر مرده في علاقة بين علمين هما علم العقول الألكترونية، وعلم الكيمياء. فالتقدم العلمي اذا كان مرتبطاً بعلمين في آن واحد، يكون ابطأ بالقياس الى التقدم الذي يفرره علم واحد.
وعلى الرغم من تقارب العلوم في العصر الحاضر لابل وانعدام المسافات بين بعضها بالكامل، فأنه ما تزال بعض الحالات في تأخرها محسوسة.
ان اللون والصور والضوء والامواج والصوت وغير ذلك، اصبحت قابلة للتغيير بفضل الحسابات الآلية والنتائج الرقمية. غير انه مع هذا لهم يتمكن الإنسان بشكل كامل في الوقت الحاضر، من تحويل كل الظواهر الأعتيادية من حوله في البيئة التي يعيش فيها الى معطيات رقمية.
على اي حال انه نجح في هذا الأطار نجاحاً باهراً وموفقاً، وصار يتخذ الى الدقة في العمل سبيلاً وان لم يصل الى كل ما اراد.
والأمر مختلف فيما يتعلق بالمواد الكيميائية والروائح المختلفة. ومن الناحية البايلوجية، فأن التعرف على طعم ما اورائحة ما يأتي من خلال تأثير المادة على الأعصاب ذات العلاقة بحاستي الشم والتذوق هذا التأثير يفسره المخ البشري بنوعية معينة من الرائحة او الطعم.
وفي امكان المخ البشري التعرف على الطعم او الرائحة، حتى دان وان كانتا غير مألوفتين لدى الإنسان او انه لم يستشعرهما من قبل.
وفيما يتعلق بالعقل الألكتروني، فأنه بامكانه تشخيص رائحة بعض المواد او تذوقها. وبالطبع فأن النتائج في هذا الأطار لم تصل بعد الى المستوى المطلوب، ولم تأخذ لحد الآن مديات واسعة.
وتقوم تقنية العمل هنا على انتاج المادة التي يراد استشمامها بواسطة عدة مراحل من التفاعلات الكيميائية، ومن بعد ذلك تقوم الأشارات الألكترونية باستشعار هذه المادة، التي تنتقل من مكان لآخر عبر الأنترنيت.
ولابد ان نذكر هنا ان هذا العمل لا يشمل كل المواد بل بعضها، وانه قد بقي في مرحلة الأختبار العلمي، بحيث لم يدخل حيز الحياة العملية اليومية بعد.
هل في امكان العقل الألكتروني اتخاذ قرار ما؟ هذا ما سنأتي اليه في السطور القادمة.
من اجل اتخاذ اي قرار، لابد ان تتوفر معلومات كثيرة وتجارب صحيحة، فمثل هذه المعلومات والتجارب تفضي بلا ريب الى القرار الصائب السليم.
وليس هذا في حد ذاته كافياً، اذ لابد من الرجوع بسرعة الى المعلومات المخزنة في الذهن لإتخاذ قرار مناسب.
ثم ان الإنسان السريع البديهة يكون اقدر من غيره على اتخاذ القرار المطلوب.
والى جانب هذا كله توجه مراحل اخرى يمر بها المخ تساهم في اتخاذ القرار. ومن الضروري الأشارة هنا الى ان بعض هذه المراحل لا تزال من المجاهيل بالنسبة للعلم والطب والفسيولوجيا. او ما يعرف بعلم وظائف الأعضاء.
واذا كان هذا يتعلق بعقل الإنسان، فلابد من القول انه يوجد في الوقت الحاضر، برامج آلية قوية ، وفي ذات الوقت باهضة الثمن، يمكن للعقل الألكتروني بعد استخدامها من الإستفادة من المعلومات المذخرة وتحليلها وصولاً الى مرحلة اتخاذ القرار.
ومن شأن مثل هذه البرامج الألكترونية مساعدة المدراء في اتخاذ القرار الأفضل بالنسبة للشركات الكبرى التي تكون المعلومات فيها جمة وكثيرة.
ان سرعة العقل الألكتروني هنا شيء تعتمد عليه هذه البرامج الآلية المتطورة .
هذا وتمكنت شركة IBM المعروفة عالمياً بصناعة العقول الألكترونية والبرامج الآلية، تمكنت حديثاً من تصميم نظام آلي سريع لأتخاذ القرار على اساس السرعة الهائلة في تحليل المعلومات المتعلقة به.
وحسب قول نائب رئيس هذه الشركة، اذا ما اراد انسان ان يحلل المعلومات بهذه السرعة. فأنه لابد ان يكون قادراً على قراءة كل نتاجات الأديب البريطاني المعروف وليم شكسبير اكثر من عشر مرات في ثانية واحدة والإنسان لا يمكن ان يصل الى هذه السرعة على الأطلاق، لكن اذا ما تمكن من تقريب العقل الألكتروني من مراحل اتخاذ القرار في دماغه، فأنه عند ذاك سينجز العجائب، بسرعة العقل الألكتروني والحاسوب الآلي.
واما اين موقع التعلم ما بين العقل البشري والعقل الألكتروني؟ للأجابة عن هذا السؤال نقول ان التعلم بواسطة العقل الألكتروني، انما يطرح في اطار بحث بعنوان الشبكات العصبية.
وفي بعض اساليب هذا البحث يتم السعي الى تقريب الخطوات الى النتيجة النهائية في كل مرة وفي كل مرحلة.
ومتى ما وصلت النتائج الى الدقة المطلوبة عندها يمكن القول ان الشبكة قد تعلمت هذا البحث.
وعلى سبيل المثال فأن عملية الجمع الحسابي ينجزها العقل الألكتروني بسرعة ودقة فائقيتن.
واذا ما اردنا مثلاً ان نعلّم العقل الألكتروني عملية الجمع، يمكن ان نفترض النظام الآلي قد تعلم هذه العملية، عندما تكون نتيجة اضافة العدد 2 الى مثيله تقترب من العدد 4.
وهكذا يكون العقل الألكتروني قادراً على حساب نتيجة جمع 2+3 بدقة كافية وما ذكرناه يأتي في حد اختبار ومثال، والا فأن حل بعض المسائل في بعض الحالات يحتاج الى تعليم الشبكات العصبية، وربما يطول هذا التعلم لعديد من الأشهر بايامها ولياليها وما بيناه هنا يراد به التعلم الذاتي لدى العقول الألكترونية ، والتي لا ريب انها تساعد الإنسان على التفكير وهو امر في غاية العصوبة.
فأهم واكبر هدف يتابعة الإنسان على طريق تطور العقول الألكترونية هو اقدارها على التفكير وهي تخوض مسيرتها التكاملية.
وعلى ما يبدو فإن الإنسان لم يحقق حتى الوقت نجاحاً في هذا المضمار.
ولا نرانا متعدين الحقيقة هنا اذا ما قلنا ان الفارق الأساس بين العقل البشري والعقل الألكتروني هو في التفكير.
والسبب في وجود هذا الفارق يعود الى ان الكائن البشري لم يكتشف بعد كل خفايا الدماغ وبنيته، حتى ينجح في صبها في قوالب برامج آلية تتناقلها العقول الألكترونية.
على ان العقل الألكتروني اذا ما تمكن في يوم ما من التفكير كما هو عند الإنسان، فأنه وسوف يفوق الإنسان، وذلك بسبب السرعة والدقة التي يمتلكها هذا العقل.
الا انه لابد من القول هنا ان الكثير من العلماء يرون ان هذا الأمر اي وصول العقل الألكتروني الى مرحلة التفكير الموازي لمستوى تفكير الإنسان، لا ولن يتحقق على الأطلاق وفي المقابل يرى آخرون ان كل ما يصل الى الذهن البشري، لابد ان يتصل بالحقيقة يوماً ما وان مسيرة العلم مسيرة طويلة، وانه لطريق طويل حتى الوصول الى غاية العلم.
وفي اعتقاد هؤلاء، فأنه لا يبقى شئ غير ممكن، ولا يبقى شئ غير مكتشف في آخر يوم من عمر الوجود.
واذا ما تمكن الإنسان يوم ما من فك الرموز المعقدة لهذا العالم، فأنه لا ريب سينهض الى تغييره ويبقى العقل البشري من عجائب هذا العالم. انه عالم قائم بذاته، فيه من المكنونات، ما لا يعرفه العلماء حتى اليوم، ولم يؤت الإنسان ومن العلم الا قليلاً.

 

إضافة تعليق


مود الحماية
تحديث

الأخبار الطبية - أحدث الأخبار الطبية